السيد نعمة الله الجزائري
113
الأنوار النعمانية
السفلي المفيض للصور والنفوس على البسائط وعلى المركبات بحسب الاستعدادات المسببة عن الحركات الفلكية والاتصالات الكوكبية ، ويلزم على هؤلاء ان هذه الاعتبارات ان كانت وجودية فلا بد لها من مصادر متعددة والا بطل أصلهم ، وهو ان الواحد لا يصدر عنه الا واحد ، وان كانت اعتبارية امتنع ان تصير جزء مصورا لأمور وجودية فان أجيب بأنها ليست جزء منا لمؤثر بل هي شروط التأثير والشرط قد يكون امر اعتباريا ، قلنا فليكن هذه الاعتبارات من السلوب والإضافات عارضة للمبدأ الأول فيكون بحسبها مصدرا لأمور متعددة كالمعلول الأول ، فيبطل ما ذهبوا اليه ، مع اسناد الفلك الثامن مع ما فيه من الكواكب المختلفة المقادير المتكثرة كثرة لا تحص إلى جهة واحدة في العقل الثاني كما زعموه مشكل جدا كما قيل وكذلك اسناد الصور والاعراض التي في عالمنا هذا مع كثرتها إلى العقل الفعال أشكل من الأول كما لا يخفى . وبالجملة فهذه العقول العشرة عندهم انها جواهر مجردة عن المكان والمدة والمادة فهذه السماوات التي تمدح اللّه عز وجل بخلقها نسبوها إلى امو وهمي لم يتم عليه دليل عقل كما اعترف به المحققون ، والأدلة النقلية من الكتاب والسنة والاجماع والدليل العقلي أيضا ينادي بتكذيبه وانه لا مؤثر في ايجاد الموجودات الا باللّه سبحانه ولعمرك ان هذه الطائفة اشرّ من المجوس فان المجوس اثبتوا له سبحانه شريكا يفعل الشر سموه اهرمن وهو بلغتهم الشيطان وفاعل الخير هو يزدان وهو بلسانهم الواجب تعالى ، فقد اثبتوا له كل افعال الخير واما المشركون بالأصنام فقد حكى اللّه سبحانه عنهم ما اعتقدوه ، حيث قالوا ما نعبدهم الا ليقربونا إلى اللّه زلفى ، وكذلك سائر طوائف الكفار على ما سيأتي ان شاء اللّه تعالى ، عند ذكر الفرق الاسلامية وغيرها ، وهؤلاء الحكماء الذين بلغوا من مراتب الادراك إلى أن قالوا انّا لا نحتاج إلى ارسال الأنبياء عليهم السّلام انما يرسلهم اللّه تعالى إلى أهل العقول الناقصة واما نحن فقد كملت أحلامنا وعقولنا قد عزلوا اللّه سبحانه عن عالم ملكوته كلّا ورأسا وليتهم ذهبوا إلى ما ذهبت اليه المجوس وطوائف الكفار ، والعجب ان جماعة من أهل عصرنا ممن يتدين بدين الاسلام قد وافقوهم على هذه الهفوات وخرجوا عن الدين من حيث لا يشعرون وهذا كله انما جاء من جهة التعويل على العقول الناقصة . واما المتأخرون من الحكماء ومن حذى حذوهم من طوائف المسلمين فلما رأوا قول قدمائهم بمكان من الشرك والبعد عن قول أهل الملل والأديان اوّلوا قول قدمائهم وقالوا لا مؤثر في الوجود الا اللّه معناه ان تلك العقول المجردة هي آلات ووسائط بين اللّه سبحانه وبين مخلوقاته تسبب بها إلى خلق ما خلق كما يتسبب النجار إلى قطع خشبته بالمنشار وكالوالدين في حصول الأولاد وهذا تأويل لكلام من لا يرضى به وقد صرّح بخلافه مع أن مفاسده كثيرة لا تحصى .